أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
88
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
وقال رحمه اللّه : البصيرة كالبصر أدنى شيء يقع فيه تعطل النظر وإن لم ينته الأمر به إلى العمى ، فالخطرة من الشر تشوش النظر وتكدر الفكر ، والإرادة له تذهب الخير رأسا ، والعمل به يذهب بصاحبه عن سهم من الإسلام فيما هو فيه ويأتي بضده ؛ فإن استمر على الشر تفلت منه الإسلام سهما سهما ؛ فإذا انتهى إلى الوقيعة في الأئمة وموالاة الظلمة حبا في الحياة والمنزلة وحبا للدنيا على الآخرة فقد تفلت منه الإسلام كله ، ولا يغرنك ما توسم به ظاهرا فإنه لا روح له ، وروح الإسلام حب اللّه ورسوله وحب الآخرة وحب الصالحين من عباده . وقال رحمه اللّه : أركز الأشياء في الصفات ركزها قبل وجودها ، ثم انظر هل ترى للعين أين ، أو ترى للكون كان ، أو ترى للأمر شان ؟ وكذلك بعد وجودها . وقال رحمه اللّه : عمى البصيرة في ثلاثة أشياء : إرسال الجوارح في معاصي اللّه ، والتصنع بطاعة اللّه ، والطمع في خلق اللّه ، فمن ادعى البصيرة مع واحدة من هذه فقلبه هدف لظنون النفس ووساوس الشيطان . فصل في التصوف قال رحمه اللّه : التصوف تدريب النفس على العبودية ، وردها لأحكام الربوبية . وقال رحمه اللّه : للصوفي أربع صفات : التخلق بأخلاق اللّه ، وحسن المجاورة لأوامر اللّه ، وترك الانتصار للنفس حياء من اللّه ، وملازمة البساط بصدق الفناء مع اللّه . فصل في الحقائق قال رحمه اللّه : الحقائق هي المعاني القائمة بالقلوب ، وما اتضح لها وانكشف لها من الغيوب ، وهي منح من اللّه ، وكرامات بها وصلوا إلى البر والطاعات ، ودليلها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لحارثة : « كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا » « 1 » الحديث .
--> ( 1 ) رواه ابن حميد في مسنده ، حديث رقم ( 445 ) [ ج 1 / 165 ] ورواه الطبراني في المعجم الكبير ، حديث رقم ( 3367 ) [ ج 3 ص 266 ] ورواه غيرهما . ونصه : « عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « كيف أصبحت يا حارث ؟ » قال : أصبحت مؤمنا حقا ، فقال : « انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » فقال : قد عزفت نفسي عن الدنيا وأسهرت لذلك ليلي واطمأن نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ، فقال : « يا حارث عرفت فالزم » ثلاثا .